الشيخ عبد الغني النابلسي

64

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فتحقق يا أيها السالك هذه المسألة المذكورة فإن القدر ، أي تقدير الإلهي ما جهل في الناس إلا لشدة ظهوره وانكشافه فلم يعرف لأجل ذلك الظهور الذي له عند كل أحد من حيث إيمانه بعدل اللّه تعالى في خلقه أنه على طبق ما علم اللّه تعالى من الأشياء ، فهو تابع لها وإن لم تعرف تفاصيلها عند الكل في الكل ، فالكل يعلمون أنه تعالى عالم قضى بالحق وقدر على علم منه لا جهل ، ولا يعرفون ما ذكر هنا من البيان الحق وكثر فيه ، أي القدر الطلب والإلحاح من الناس في بيان المراد منه للإيمان به ، وتكلم فيه كل عالم على قدر ما عنده من العلم ، وفوق كل ذي علم عليم . واعلم يا أيها السالك أن الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين من حيث هم رسل من اللّه تعالى إلى أممهم بالتكاليف المختلفة لا من حيث هم ، أي الرسل عليهم السلام أولياء للّه تعالى وعارفون باللّه تعالى فهم من هذا الوجه متفاوتون تفاوتا آخر من كونهم على درجات مختلفة في الولاية والمعرفة حيث هم في أذواقهم ، وليس هذا موضع بيان ذلك ، لأن هذا الباب معطل فيهم ، فليس أخذهم للشرائع منه بل من باب نبوّتهم ، فهم لا يأخذون بكشفهم وعرفانهم واستعدادهم من التجلي الخاص ، بل بما أنبأهم به الملك المنزل عليهم من حضرة ربهم ، فإنهم مع الحق في حكم ما يخبرهم به لا بحكم ما علموه باستعدادهم ، فالقرآن علم الرسالة المحمدية ، والسنة علم النبوّة والولاية على مراتب تختلف باختلاف على ما هي عليه أممهم من الفضائل المتفاوتة . فما عندهم ، أي الرسل عليهم السلام من العلم الإلهي الذي أرسلوا به إلى أممهم ليعلموا ما هم عليه في ظواهرهم وبواطنهم إلا قدر ، أي مقدار ما تحتاج إليه أمة ذلك الرسول ، في اعتقاداتهم وعباداتهم ومعاملاتهم لانتظام معادهم ومعاشهم لا زائد على ذلك ولا ناقص ، والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض في الفضيلة . فتفاضل الرسل عليهم السلام في علم الإرسال بتفاضل أممها ، أي الرسل وهو قوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ، أي بسبب ما عندهم من العلوم التي تحتاج إلى أممهم بحسب تفاوت الأمم بالذكاء والحذق كل أمة على حسب استعدادها كما هم ، أي الرسل عليهم السلام أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم ، أي أنفسهم عليهم السلام من العلوم الإلهية من حيث هم أنبياء عليهم السلام والأحكام المخاطبين بها على مقتضى أحوالهم الربانية متفاضلون فمنهم من هو أفضل من الآخر بحسب استعداداتهم لقبول الفيض من وجود